حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

201

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

والمشاهدات والأسرار والإشارات والإلهامات وغيرها من المواهب ، وإنهم يشاهدون أحوالا شتى في صورة واحدة من ثمرات مجاهداتهم ، فيقول بعض المتوسطين منهم : إن هذا المشهد هو الذي شاهدته قبل هذا ، فتكون الصورة تلك الصورة ولكن المعنى حقيقة أخرى ، كما أن موسى شاهد نور الهداية في صورة نار فتكون تارة تلك النار نار صفة غضبية كما كان لموسى ، إذا اشتد غضبه اشتعلت قلنسوته نارا ، وتارة تكون نار المحبة تقع في محبوبات النفس فتحرقها ، وتارة تكون نار اللّه الموقدة التي تطلع على الأفئدة فتحرق عليهم بيت وجودهم فافهم . وأيضا ، كل شيء له صورة في الدنيا فله في الآخرة معنى آخر غيبي كقوله صلى اللّه عليه وسلم في دماء الشهداء « اللون لون الدم والريح ريح المسك » « 1 » فاعلم . وقوله وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً جملة معترضة تفيد زيادة التقرير كقولك « فلان أحسن إلى فلان ونعم ما فعل » والمراد بتطهير الأزواج تطهيرهن من الأقذار والأدناس لا سيما التي تختص بالنساء ، وكذا من الأخلاق الذميمة وعادات السوء . وهما لغتان فصيحتان « النساء فعلن » و « هن فاعلات » و « النساء فعلت » و « هي فاعلة » والمعنى : ولهم جماعة أزواج مطهرة . وفي مُطَهَّرَةٌ فخامة لصفتهن ليست فيما لو قيل طاهرة وهي الإشعار بأن مطهرا طهرهن وليس ذلك إلا اللّه عزّ وجل المريد لعباده أن يخولهم كل مزية فيما أعد لهم . وهاهنا نكتة وهي ، أن المرأة إذا حاضت فاللّه تعالى يمنع من مباشرتها قال : فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ [ البقرة : 222 ] مع أنها معذورة في تنجسها . فإذا كانت اللواتي في الجنة مطهرات فلأن يمنعك عنهن ، إذا كانت نجسا بالمعاصي مع أنك غير معذور فيها كان أولى . وأيضا من قضى شهوته من الحلال فإنه يمنع من الدخول في المسجد الذي يدخل فيه كل بر وفاجر ، فمن قضى شهوته من الحرام كيف يمكن من دخول الجنة التي لا يسكنها إلا المطهرون ؟ وكفى دليلا على ذلك بإخراج آدم منها بسبب الزلة الصادرة عنه . وأيضا من كان على ثوبه ذرة من النجاسة لا تجوز صلاته أو تستكره ، فكيف بمن صلى وعلى قلبه جبال من نجاسات الذنوب والمعاصي ؟ والخلد عند المعتزلة الثبات الدائم والبقاء اللازم الذي لا ينقطع بدليل قوله تعالى وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ [ الأنبياء : 34 ] نفى الخلد عن البشر مع تعمير بعضهم وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ [ الحج : 5 ] وعند الأشاعرة : الخلد هو الثبات الطويل ، دام أو لم يدم . ولو كان التأبيد داخلا في مفهوم الخلد كان قوله خالِدِينَ فِيها أَبَداً تكرارا . ويقال في العرف : حبسه حبسا مخلدا ، أو وقف وقفا مخلدا . والحق أن خوف الانقطاع ينغص النعمة وذلك لا يليق بأكرم الأكرمين .

--> ( 1 ) رواه أبو داود في كتاب الجهاد باب 40 . الترمذي في كتاب فضائل الجهاد باب 21 . النسائي في كتاب الجهاد باب 25 . الموطأ في كتاب الجهاد حديث 29 . أحمد في مسنده ( 5 / 231 ، 244 ) .